علي أصغر مرواريد
510
الينابيع الفقهية
فصل : وقوله تعالى : وذروا البيع ، أي دعوا المبايعة ، فمعناه إذا دخل وقت الصلاة اتركوا البيع والشراء . قال الفراء : إنما لم يذكر الشراء - وهو مثله لأن المشتري والبائع يقع عليهما البيعان ، فإذا زالت الشمس من يوم الجمعة والحال هذه حرم البيع والشراء حتى تقضي الصلاة . وقال الحسن : كل بيع تفوت فيه الصلاة يوم الجمعة فإنه بيع حرام وهذا الذي يقتضيه ظاهر الآية وهو مذهبنا ، وتحريم البيع يدل على تحريم سائر ما يشغل عن التوفر على سماع الذكر وتدبره حتى الكلام ، لأن النهي يدل على فساد المنهي عنه . ذلكم خير لكم : " ذلكم " يعني ما أمرتكم به من حضور الجمعة واستماع الذكر وأداء الفريضة وترك البيع خير لكم وأنفع عاقبة لكم " إن كنتم تعلمون " صحة ما قلناه وتعلمون منافع الأمور ومضارها ومصالح أنفسكم ومفاسدها أي اعلموا ذلك ، وفي الآية - كما ذكرنا - دلالة على وجوب الجمعة وتحريم جميع التصرفات عند سماع أذان الجمعة ، لأن البيع إنما خص بالنهي عنه لكونه من أعم التصرفات في أسباب المعاش ، وفيها دلالة على أن الخطاب للأحرار لأن العبد لا يملك البيع ، وعلى اختصاص الجمعة بمكان ولذلك أوجب السعي إليه . فإن قيل : هل يجوز أن يخطب رجل ويصلى آخر ؟ قلنا : لا وذلك أن السنة ثبتت بخلافه ولم يحفظ عن أحد من أئمة الاسلام أنه تفرد بالصلاة دون الخطبة ، فثبت أن فعل ما في السؤال بدعة واستدل من فحوى الآية بعضهم على ذلك . والإمام إذا عقد صلاة الجمعة بتكبيرة الإحرام ثم تفرق عنه الناس بعد دخولهم فيها معه تمم هو ركعتين ولم يصل أربعا الظهر ، فإنه عقدها جمعة عقدا صحيحا فلم ينقض ما عقده فعل من غيره لم يتعد إلى صلاته بالفساد ، ويدل قوله : وتركوك قائما . فصل : وقوله تعالى : فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض ، أي إذا صليتم الجمعة وفرغتم عنها تفرقوا في الأرض واطلبوا الرزق في الشراء والبيع ، وهذا إباحة ورخصة وليس بأمر